مرتضى الزبيدي

15

تاج العروس

قال ابن دريد في خطبة كتابه ( 1 ) : قد ألف أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفرهودي كتاب العين ، فأتعب من تصدى لغايته ، وعنى من سما إلى نهايته ، فالمنصف له بالغلب معترف ، والمعاند متكلف ، وكل من بعده له تبع ، أقر بذلك أم جحد ، ولكنه ألف كتابه مشاكلا لثقوب فهمه ، وذكاء فطنته ، وحدة أذهان أهل دهره . وأملينا هذا الكتاب والنقص في الناس فاش ، والعجز لهم شامل إلا خصائص كدراري النجوم في أطراف الأفق ، فسهلنا وعره ، ووطأنا شأزه ، وأجريناه على تأليف الحروف المعجمة ، إذ كان بالقلوب أعلق ، وفي الأسماع أنفذ ، وكان علم العامة بها كعلم الخاصة . وألغينا المستنكر الوحشي ، واستعملنا المعروف ، وسميناه كتاب الجمهرة لأنا اخترنا له الجمهور من كلام العرب ، وأرجأنا الوحشي المستنكر . أما ابن فارس فقد حاول هو الآخر التخلص من مدرسة العين ، لكنه لم يستطع ، فقد تبع العين في بعض الخطوط التي خطها الخليل ، منها أن ابن فارس قسم معجمه بحسب الأبنية ( 2 ) . وسار ابن فارس في ترتيب معجميه " المجمل " و " المقاييس " على ترتيب حروف الهجاء فهو لم يرتب موادهما على أوائل الحروف وتقليباتها كما صنع ابن دريد في الجمهرة ولم يطردها على أبواب أواخر الكلمات كالجوهري في الصحاح ، ولكنه سلك طريقا خاصا به ، وأما منهجه وطريقته فقد صرح به في مقدمة مقاييس اللغة يقول ( 3 ) : إن اللغة العرب مقاييس صحيحة وأصولا تتفرع منها فروع . وقد ألف الناس في جوامع اللغة ما ألفوا ، ولم يعربوا في شيء من ذلك عن مقياس من تلك المقاييس ، ولا أصل من الأصول . وقد صدرنا كل فصل بأصله الذي يتفرع منه مسائله ، حتى تكون الجملة الموجزة شاملة للتفصيل ، ويكون المجيب عما يسأل عنه مجيبا عن الباب المبسوط بأوجز لفظ وأقربه " . ويتلخص طريقه ب‍ : أ - قسم مواد اللغة إلى كتب ، تبدأ بكتاب الهمزة وتنتهي بكتاب الياء . ب - قسم كل كتاب إلى أبواب ثلاثة أولها باب الثنائي المضاعف والمطابق ، وثانيها أبواب الثلاثي الأصول من المواد ، وثالثها باب ما جاء على أكثر من ثلاثة أحرف أصلية .

--> ( 1 ) جمهرة اللغة 1 / 4 . ( 2 ) مقدمة الصحاح ، أحمد عطار ص 98 . ( 3 ) مقاييس اللغة 1 / 3 .